Work

أواصر العناصر الكونية من منظور الأستاذ النورسي - Dr. ‘Uthman Muhammad Gharib: The Bonds of the Universal Elements from the Viewpoint of Bedi‘uzzaman al-Nursi

Year: 2014
Type: article
Abstract: أواصر العناصر الكونية من منظور ا أواصر العناصر الكونيةمن منظور الأستاذ بديع الزمان النورسي -ABSTRACT- The Bonds of the Universal Elements from the Viewpoint of Bedi'uzzaman al-Nursi Dr. 'Uthman Muhammad Gharib The researcher indicates the bonds of the elements of the universe as reflected in the "Nur Letters", which is a vision that elucidates the comprehensive identity of man. That identity is connected to the manifestations of existence and elements in the universe and it is connected with them by various bonds. This places man into a continuous interaction with the rest of the beings; and sees man's connection with the universe as like that of a soul that combines with the other parts of the body to make all its parts in full co-operation with each other. So man becomes the final fruit of the tree of the universe; who contains all its features, and at the same time is the original proof of the existence of the Muhammadan reality and the great cosmic prodigy of the Quran of the universe. Man is the greatest divine miracle; he is even the marvel of creation and his desires point to the biggest of realms as a result of his organs witnessing his eternal destiny. The bonds between man and the universe have been demonstrated in many examples; such as the worshipping of God, love, knowledge, benefit, discipline, and the bonds of beauty. *** - ملخص البحث - د. عثمان محمد غريب1 قصد الباحث التأكيد على أواصر العناصر الكونية كما تجلت في رسائل النور، وهي رؤية عمدتها الماهية الجامعة للإنسان، تلك الماهية الوثيقة الصلة بمظاهر الوجود وعناصر الكون، وترتبط بها بأواصر ووشائج شتى مما يجعل الإنسان في أخذ وعطاء مع بقية الكائنات، فكان الإنسان بالنسبة للكون كالروح التي ترتبط بعلاقات وأواصر مع جميع أنحاء الجسم، حتى تجعل جميع أعضائه وجميع أجزائه، في تعاون تامٍّ فيما بينها، فكان الإنسان خاتمة ثمرات شجرة الكون وأجمعُ ما فيها من الصفات، وهو في الوقت نفسه بذرتها الأصلية من حيث الحقيقة المحمدية، والآية الكونية الكبرى لقرآن الكون.. وهو أعظم معجزات القدرة الصمدانية بل هو أعجوبة الخلق لما انطوى فيه العالم الاكبر ولما تشهد جميع أجهزته بأنه مخلوق للسير قدما نحو الأبدية والخلود، وقد تجلت أواصر ربط الإنسان بالكون في أواصر كثيرة منها العبادة لله، والمحبة، والمعرفة، والتسخير والتثمير، والتأديب، وآصرة الجمال. *** الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد فمما لا يقبل المراء والجدال أن سوء فهم هذا الكون الفسيح وعدم إدراك أواصر عناصره وعدم التعامل معه مَعرفيا واستعمارا واستثمارا وتسخيرا من أكثر أسباب الانحطاط والتخلف التي جعلت الأمة الإسلامية في نهاية الركب وذيل القافلة، فتأخرنا من حيث تقدم غيرنا، وتخلفنا من حيث ازدهروا. لذا ارتأيت أن يكون بحثي هذا محاولة مني لكشف أهم الأواصر والوشائج بين الإنسان وبقية عناصر الكون كما رآها الأستاذ بديع الزمان النورسي -رحمه الله- ونثرها كالدرر في رسائله، وحاول جاهدا التعرفَ عليها وعلى مواطن الخلل ومواضع الزلل في حياة الأمة الإسلامية. وأردت بهذا أن أَلفِتَ الأنظارَ إلى هذا الجانبِ المشرقِ من رسائل النور، وأُقدِّمَ الأدويةَ التي وصفها الأستاذُ لأمراض الأمة وعللِها من هذا الجانب. وقد قسمت بحثي إلى تمهيد في التعريف بالإنسان والكون عند النورسي، وفذلكة بين يدي الأواصر والوشائج، وعدة مطالب مخصصةٍ للأواصر بين الإنسان وبقيةِ عناصر الكون، ونبين من خلال ذلك أهمية تفعيل تلك العلاقة على التقدم في جوانبه المختلفة، وهي كالآتي: الآصرة الأولى: آصرة العبادة لله (تسبيحا وسجودا). الآصرة الثانية: آصرة المحبة. الآصرة الثالثة: آصرة المعرفة. الآصرة الرابعة: آصرة التسخير والتثمير. الآصرة الخامسة: آصرة التأديب. الآصرة السادسة: آصرة الجمال. ونختم البحث بأهم النتائج التي توصلنا إليها في بحثنا هذا. وبـهذا يتبين أن ارتباط الإنسان مع هذا الكون إنما هو كالروح التي ترتبط بعلاقات وأواصر مع جميع أنحاء الجسم، حتى تجعل جميع أعضائه وجميع أجزائه، في تعاون تامٍّ فيما بينها، ولا يحجبها شيءٌ عن إدارة شؤون كل جزء من أجزاء الجسم، وإيفاء حاجات الجسم بكل جزء من أجزائه، وتقدر الروح على مدّ عضو واحدٍ بأمدادٍ من سائر الأعضاء، وتستطيع أن تسوق الأعضاء الأخرى إلى خدمته، بل تقدر أن تعرِف جميعَ الحاجات بكل جزءٍ من أجزاء الجسم، وتدير من هذا الجزء الواحد الجسمَ بأكمله، بل تتمكن الروح أن ترى وتسمع بكل جزء من أجزاء الجسم إن كانت قد اكتسبت نورانية أكثر -كما قال الأستاذ-. وفي هذه العجالة أريد أن أقدم معتصر المختصر لهاته الأواصر والوشائج، أسأل المولى -عزَّ وجلَّ- أن يعيننا على ذلك، إنه ولي ذلك والقادر عليه. تمهيد في التعريف بالإنسان والكون قديما قال المناطقة: الحكم على الشيء فرع تصوره، ومن هنا أصبح علينا لزاما أن نعرف بأهم المصطلحين البارزين في عنوان البحث: الإنسان والكون. وكان من المفروض أن نقدم تعريف الكون على تعريف الإنسان لزوما من باب تقديم الكل على الجزء، ولكن عندما ندقق النظر في آيات الذكر الحكيم يظهر لنا جليا أن الإنسان هو غاية الكون وثمرته لذا ارتأينا تقديم الإنسان تقديما للأهم على المهم والغاية على الوسيلة. أولا: الإنسان كما يراه الأستاذ بديع الزمان يختلف تماما عن الإنسان في منظور الفلاسفة، ففي الوقت الذي يختلف الفلاسفة فيما بينهم مترددين في بيان ماهية الإنسان وأهميته، مابين قول بكونه مجرد آلة في هذا الكون، أو جزء حقير أمام هذا الكون الفسيح، أو مجرد حيوان أذكى استطاع أن يسخر غيره لمصالحه، نرى الأستاذ -حاله حال مولانا جلال الدين الرومي- ينأى بنفسه بعيدا عن كل هاته المعمعات الفلسفية العقيمة وينظر إلى الإنسان من زاوية أخرى يكون الإنسان فيها أعلى رتبة وأنبل غاية وأسمى فكرا، ومع هذا لا يخلو هذا الإنسان من عيوب ونقائص ربما لا تلقيها في غيره.! يقول الحكماء يأن الإنسان هو العالَم الصغير، والعالَم هو الإنسان الكبير، لكن مولانا جلال الدين جاء وعكس المفهوم لأنه لا يوجد في الخليقة أعظم من الإنسان، فنسمعه يقول: إذن أنت في الصورة العالَمُ الأصغر، وأنت في المعنى العالَمُ الأكبر. وفي الظاهر يكون الغصن أصلا للثمرة، لكن الفرع في الحقيقة من أجل الثمرة. فإن لم يكن الميل إلى الثمرة والأمل فيه، فمتى كان البستاني يغرس جذور الشجر؟! ومن ثم فإن ذلك الشجر على سبيل المعنى ولد من الثمر، وإن كان الثمر قد ولد منه على سبيل الصورة.2 وأما الإنسان عند الأستاذ بديع الزمان فله مميزات خاصة به تميزه عن غيره من مخلوقات الله في الكون! فبالإضافة إلى أنه أكرم المخلوقات وأشرفها نرى الأستاذ يعرف لنا الإنسان تعريفا دقيقا بأنه: "هو خاتمة ثمرات شجرة الكون وأجمعُ ما فيها من الصفات. وهو بذرتها الأصلية من حيث الحقيقة المحمدية. وهو الآية الكونية الكبرى لقرآن الكون.. بل هو الآية الحاملة لتجليات الاسم الأعظم في ذلك القرآن الكوني كآية الكرسي في القرآن الكريم. وهو أكرم ضيف في قصر الكون. وهو أنشط موظف مأذون له بالتصرف في سكنة ذلك القصر. وهو المأمور المكلف بحرث مزرعة الأرض والناظر المسؤول عن وارداتها ومصاريفها، بما جُهز من مئات العلوم وألوف المؤهلات. وهو خليفة الأرض، والمفتش الباحث في مملكة الأرض والمرسل من لدن سلطان الازل والابد والعامل تحت رقابته. وهو المتصرف في شؤون الأرض مع تسجيل كامل لأعماله بجزئياتها وكلياتها. وهو عبد كليّ، مكلف بعبادة واسعة شاملة، والحامل للأمانة الكبرى التي أبت السموات والأرض والجبال أن يحملنها، وهو الذي يعكس كالمرآة جميع تجليات الأسماء الحسنى ويتجلى فيه اسم الله الأعظم. وهو المخاطب المقصود للخطاب السبحاني والأكثر فهماً للكلام الرباني. وهو الأكثر فاقة وعجزاً من بين أحياء الكون. وهو الكائن الحي العاجز الفقير بلا حدود، مع أن له أعداء ومؤذيات بلا عد ومقاصد وآلاماً بلا حد. وهو أغنى استعداداً من بين ذوي الحياة. وهو أشد إحساسا وشعوراً بالألم -ضمن لذة الحياة- حيث تمتزج لذاته بآلام منغّصة. وهو أشد شوقاً إلى البقاء وأكثر حاجة إلى الخلود، بل هو الأجدر به.. وهو الذي يتوسل لأجل البقاء والخلود بأدعية غير محدودة فلو أُعطي له ما في الدنيا من متع لما شفت غليله للخلود. وهو الذي يحب الذي أنعم عليه حباً لحد العبادة، ويحببه للآخرين، وهو المحبوب أيضا. وهو أعظم معجزات القدرة الصمدانية بل هو أعجوبة الخلق لما انطوى فيه العالم الأكبر ولما تشهد جميع أجهزته بأنه مخلوق للسير قدما نحو الأبدية والخلود. "3 ثم يذكر لنا الأستاذ أن أفراد الإنسان متفاوتة في الفضل والرتبة، فقد فضل الله بعضها على بعض، و"أعظم آية في كتاب الكون الكبير، وأعظم اسمٍ في ذلك القرآن الكبير، وبذرة شجرة الكون، وأنور ثمارها، وشمس قصر هذا العالم، والبدر المنوّر له، والدال على سلطان ربوبية الله، والكشّاف الحكيم للغز الكائنات، هو سيدنا محمد الأمين عليه أفضل الصلاة والسلام، الذي ضم الأنبياء جميعاً تحت جناح الرسالة وحمى العالم الإسلامي تحت جناح الإسلام، فحلّق بهما في طبقات الحقيقة متقدماً موكبَ جميع الأنبياء والمرسلين، وجميع الأولياء والصديقين، وجميع الأصفياء والمحققين. "4 وهذا يعني أن سيدنا محمد يساوي جميع من سبقه من الأنبياء والرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام. از دِرَم ها نام شاهان برکَنَند -نــامِ احـمــــد تـا ابـــد بـر مـی زننــد نامِ احمـد نامِ جمله انبیــاست- چون که صد آمد، نود هم پیش ماست.5 المطلب الثاني: تعريف الكون عند الأستاذ -رحمه الله-: الكون في نظر الأستاذ بديع الزمان هو "مسجد كبير وكتاب منير مليء بآيات تكوينية يتلوها القرآن الكريم على الثقلين. "6 ونراه كذلك يعرفه بمثله في سياق عتابه للنفس الكسول ويقول: "ولو كانت لديك وسيلة -أيها الإنسان- لقتل الموت، ولإزالة الزوال عن الدنيا، ولو كان عندك دواء لرفع العجز والفقر عن البشرية، ووساطة لغلق باب القبر إلى الأبد، فهاتها إذن وقُلها لأسمع وأطيع.. وإلاّ فاخرس، فان القرآن الكريم يتلو آيات الكائنات في مسجد الكون الكبير هذا. فلننصت اليه، ولنتنّور بنوره، ولنعمل بهديه الحكيم، حتى يكون لساننا رطباً بذكره وتلاوته".7 وكذلك أثناء كلامه عن وجود الملائكة وعملهم في الكون ويقول: "فلابــد أن تكون لهذه الوظائف غير النهائية والعبادات المتنوعة، أنواع غير نهائية أيضا من "الملائكة" وأجناس غير محدودة من "الروحانيات"، كي يعمّروا بصفوفهم المتراصّة ويملؤوا هذا المسجد الكبير.. هذا العالم.. هذا الكون ".8 فذلكة الأواصر والوشائج مما لا يقبل المِراء أن الإنسان ليس كائنا انعزاليا يعيش بمفرده منطويا على ذاته، وبما أودع الله فيه من ماهية جامعة يرتبط مع مظاهر الوجود وعناصر الكون بأواصر ووشائج شتى مما يجعله في أخذ وعطاء مع بقية الكائنات، فهو ليس من مادة بسيطة وجامدة تأبى التغير، بل هو معمل عظيم متقن الصنع، أجهزته دائمة التجدد، وكالقصر المنيف، أنحاؤه دائمة التحول، وذرات وجوده تعمل دوماً وتسعى دون توقف، وترتبط بوشائج وأواصر عديدة متنوعة شاملة لجميع مجالات الكون مع مظاهر الوجود في الكون من حوله، والذرات العاملة في جسده تحتاط من أن تخل بتلك الروابط، وتتحاشى أن تنفصم تلك العلاقات، فهي حذرة في تصرفها هذا، وتتخذ موقفاً ملائماً لها على وفق تلك العلاقات كأنها تنظر إلى جميع الكائنات وتشاهدها وتتفاعل معها.9 فيا أيها الإنسان الباحثُ عن الحقيقة أعِر سمعَك للأستاذ النورسي لحظات واستخرج من بحر كلماته اللؤلؤ والمرجان. المطلب الأول: الآصرة الأولى: آصرة العبادة لله (تسبيحا وسجودا) من المعلوم أن الذكر الحكيم قد أخبرنا بأن الكون بأسره في تسبيح دائم للخالق ا
Language: Arabic
Open Access status: green
OpenAlex ID: W1811069436
FWCI:
Cites:
Cited by:
Related to: 10