كلمة العدد
Year: 2026
Type: article
Abstract: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد H، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: فإنَّ من أبرز خصائص الشريعة الإسلامية الخاتمة أنَّها شريعةٌ جاءت لهداية الإنسان، وصيانة مصالحه، وإقامة حياته على مقتضى العدل والرحمة والاستقامة، في مختلف الأزمنة والأمكنة، وعلى اختلاف ما يطرأ على حياة الناس من أحوال، وما يستجدُّ فيها من وقائعَ ونوازلَ، وقد اقتضت هذه الخصيصةُ أنْ تنتظمَ البنية التشريعية للشريعة؛ إذ تجمع بين ثبات الأصول والكليات والمقاصد من جهة، ومرونةِ الأحكام الاجتهادية وقدرتها على استيعاب تغيُّر الأحوال وتنوُّع الوقائع وتجدُّد الحاجات من جهة أخرى؛ بحيث لا يحول ثباتُ الأصولِ الكلية عن مراعاةِ الواقع، ولا تقتضي المستجدَّاتُ تجاوزَ الأصولِ أو الخروجَ عن مصادرِ التشريع ومقاصده، ومن هنا تتجلَّى طبيعة الفقه الإسلامي بوصفه علمًا يتجاوز مجرد نقل الأحكام وحفظ ما استقر من مسائلها، إلى النظر في الوقائع، واستيعاب أحوال الناس، وتحقيق المناط، واستنباط الحكم الشرعي القادر على الانتقال من دائرة التأصيل إلى مجال التنزيل بما يحققُ مقاصدَ الشريعة ويحفظُ مصالحَ المكلفين. إن الفقه في جوهره نظرٌ شرعي في حركة الحياة، ولذلك ظلَّ عبر تاريخه قادرًا على التفاعل مع اختلاف البيئات والأعراف والأحوال، واستيعاب ما يستجدُّ من مسائلَ ونوازلَ، مستندًا إلى أصولٍ مُحكَمة، ومستفيدًا من ثراء التراث الاجتهادي وتنوع مدارسه ومناهجه. وتتأكد هذه الوظيفة في العصر الحاضر على نحو أشد في ظل حركة التغير الاجتماعي والتقني والاقتصادي والطبي المتسارعة، وتشابُك القضايا الناشئة وتداخل أبعادها؛ إذ لم تعد كثير من النوازل المعاصرة وقائعَ بسيطةً يمكن استجلاءُ حكمها من خلال النظر في جانب واحد منها؛ بل غدت مسائلَ مركبةً تتقاطعُ فيها الاعتباراتُ الشرعيةُ والطبيةُ والاقتصادية والاجتماعية والتقنية والقانونية، ومن ثَمَّ أصبح الاجتهاد في شأنها يحتاج إلى تصورٍ دقيقٍ لحقيقتها، وإدراكٍ لسياقاتها، والاستعانة بالمعارف والخبرات المتخصصة المتصلة بها، ثم ردِّ ذلك كله إلى أصول الشريعة ومقاصدها بما يفضي إلى سلامة التصوير، ودقَّة التكييف، وصحَّة التنزيل، ومن ثَمَّ حكم صحيح. ولا يقف الاجتهاد الفقهي عند ظاهر الواقعة أو صورتها المجردة، وإنما يتجاوز ذلك إلى استحضار ملابساتها، والنظرِ في أسبابها ووسائلها ومآلاتها، وموازنةِ ما يترتب عليها من مصالحَ ومفاسدَ وآثارٍ. كما لا يكتفي باستحضار الحكم في صورته المجردة؛ بل ينظر في مناطه وشروط انطباقه وظروف تنزيله، ومن ثَمَّ يقوم النظر الفقهي المعاصر على موازنةٍ دقيقة بين رسوخ التأصيل ودقة التنزيل، وبين الوفاءِ للنصوص والوعي بالواقع، وبين المحافظةِ على الثوابتِ واستيعابِ المتغيرات؛ بما يكفل بقاء الفقه متصلًا بأصوله، وقادرًا في الوقت نفسه على الحضورِ الفاعل في حركة المجتمع ومعالجة قضاياه المتجددة. ولا تقتصرُ وظيفةُ الاجتهادِ -في هذا السياق- على استيعاب النوازلِ بعد وقوعها، وإنما تمتدُّ إلى استشراف ما يمكنُ أن تؤولَ إليه حركةُ الواقع، والتنبُّه إلى مقدمات القضايا قبل اكتمال صورها، وبناء التصورات الشرعية التي تُعِينُ على حُسن التعامل معها في مراحلها المبكرة؛ بما يسهمُ في الوقاية من الإشكالات قبل استفحالها، ويعزِّز قدرةَ الفقه على الإسهام في ترشيد مسارات الحياة وصيانة مصالح الناس. ومن هنا يبرز البُعدُ الاستشرافيُّ في الفقه بوصفه امتدادًا طبيعيًّا لوظيفته التجديدية، وأحد مقتضيات فاعليته في واقعٍ سريعِ التحوُّل. وفي هذا السياق يأتي العددُ السادسُ والستون من المجلة، متضمنًا بعض الدراسات المتنوعةِ في موضوعاتها، المتكاملةِ في دلالاتها، يجمعُ بينها اهتمامٌ مشتركٌ ببحث قدرة الفقه وأصوله على استيعاب تحولات الواقع، والتعامل مع مستجداته، واستشراف ما قد يطرأ من قضاياه، مع المحافظةِ على صلته الوثيقة بأصول الشريعة ومقاصدها. وتتوزع بحوث العدد على مساحات متعددة تتناولُ الوسائلَ والمآلاتِ، وتقفُ عند عدد من النوازل الطبية والإنسانية المركبة، وتبحث في الفقه الاستشرافي وصلته بقضايا التنمية والمستقبل، كما تتناول وظيفة المفتي، ودَور الإفتاء والعلم الشرعي في ضمان استمرار فاعلية الأحكام وقدرتها على ملامسة حاجات الناس ومتغيرات حياتهم. وتتكاملُ هذه الدراساتُ -على اختلافِ موضوعاتها- في إبرازِ جملةٍ من الأسئلة المركزية التي يفرضها الواقع المعاصر على النظر الفقهي؛ من قبيل: كيف يتعامل الاجتهاد مع تغيُّر الوسائل والوقائع؟ وكيف يتحقَّق من مناط الحكم في النوازلِ المركَّبة؟ وكيف يمكنُ للفقه أن يستشرفَ ما لمَّا يقعْ دون أن ينفصلَ عن مقتضيات الواقع أو يتجاوزَ حدودَ النظر الشرعي؟ وما الدَّور الذي يضطلعُ به المفتي والعالِمُ والمؤسسةُ الإفتائيةُ في ضمان استمرارية البيان الشرعي وفاعليته؟ وهي أسئلة تلتقي في جوهرها عند قضيةٍ أوسعَ تتمثلُ في كيفية الجمعِ بين أصالةِ المرجعية الشرعية وحيوية الفقه وقدرته على التفاعل المنضبط مع حركة الحياة. وعلى هذا الأساس تؤكد بحوثُ هذا العدد أنَّ تجدُّد الواقع لا يستلزمُ تجدُّد أصول الشريعة وثوابتها، كما أنَّ ثباتَ المرجعيةِ الشرعيةِ لا يعني جمودَ الفقه عن فهم الواقع واستيعاب تحولاته؛ وإنما يتجسَّد التجديدُ الفقهيُّ الرشيدُ في إحسانِ قراءةِ النص، ودقَّةِ تصوير الواقعة، وحسنِ تحقيقِ المناط، واستحضارِ المقاصد، والنظرِ في المآلات، والإفادةِ من العلومِ والخبرات المتخصصة، ضمن إطار من الضوابطِ العلمية التي تحول دون أن يتحوَّل التجديدُ إلى انفصالٍ عن الأصول، أو تتحوَّل المحافظةُ على الأصولِ إلى جمودٍ يعجزُ عن استيعابِ المستجدات. ومن هذه الرؤية تنطلقُ المجلةُ في تقديمِ بحوثِ هذا العدد تأكيدًا أنَّ حيوية الفقه الإسلامي لا تتجلَّى في قدرته على الإجابةِ عن أسئلةِ الماضي فحسبُ، وإنما تظهر كذلك في قدرته على استيعاب أسئلة الحاضر واستشرافِ استحقاقات المستقبل، وبناء المعالجة الشرعية التي تجمعُ بين أصالة المرجعية ودقة النظر ووعي الواقع وحسن تقدير المآلات؛ وبذلك يظلُّ الاجتهادُ أداةً فاعلةً في حفظ مقاصدِ الشريعة، وصيانةِ مصالح الإنسان والمجتمع، وتجديدِ حضور الفقه في الحياة، ومواصلةِ رسالته العلمية والحضارية في مختلِف العصورِ والأحوال. ولعلَّ من أبرزِ القضايا التي تستدعي النظرَ في هذا السياقِ: قضيةَ الوسائلِ التي يتخذُها الناسُ سبيلًا إلى تحقيقِ مصالحِهم، وما يطرأ عليها من تحولات تبعًا لتغير الأحوال والأعراف وتطور التقنيات وتبدل أنماط الحياة، ولا تقف أهمية هذه الوسائل عند حدودِ صورها المتجددة، وإنما تمتدُّ إلى أصولٍ اجتهاديةٍ تتصل بمدى اعتبارها في بناء الأحكام وتنزيلها على الوقائعِ المستجدة؛ الأمر الذي يكشفُ عن جانب أصيل من مرونة الاجتهاد الفقهي، وقدرتِه على استيعاب المتغيرات المتلاحقة، مع المحافظةِ على ثوابتِ الشريعة وأصولها ومقاصدها. وفي هذا الإطار يأتي البحثُ الأول في هذا العددِ، الموسومُ بـ: «فتح الذرائع وأثرها في ظل المتغيرات الاجتماعية المعاصرة - دراسة أصولية تطبيقية» متناولًا هذه القضية من منظور أصولي تطبيقي، ومستكشفًا أثرَ التحولات الاجتماعية المعاصرة في النظر إلى الوسائلِ وتقدير آثارها، بما يعكسُ قدرةَ الفقه الإسلامي على التفاعلِ المنضبطِ مع مستجدَّات الواقع. وتنبعُ أهميةُ الموضوع من أنَّ الحياةَ المعاصرةَ تشهدُ تحولاتٍ اجتماعيةً وتقنيةً متسارعةً أفرزت وسائلَ وصورًا جديدةً في مجالات متعددة، مما يستدعي النظرَ في هذه الوسائلِ من حيث مدى اتصالها بالمصالح والمفاسد، ومآلاتُ استخدامها، ومدى توافقها مع مقاصدِ الشريعة وأحكامها. ويهدف البحثُ إلى بيانِ حقيقةِ فتْحِ الذرائعِ وتأصيله من الناحية الأصولية والشرعية، وبيان علاقته بقاعدة سدِّ الذرائع، والكشف عن الضوابطِ التي تحكم العمل به حتى لا يتحوَّل إلى وسيلة للتوسُّع غير المنضبط في الإباحة، ويبين البحث أنَّ الذريعةَ هي الوسيلةُ الموصلةُ إلى المقصد، وأن حكمها يتبعُ ما تؤول إليه من مصلحةٍ أو مفسدةٍ، فإذا غلب على الظن أنَّ الوسيلةَ تؤدي إلى مصلحة راجحة، أو تحققُ مقصدًا شرعيًّا معتبرًا -كان مقتضى الشريعة فتحها والإذن بها، وقد ترتقي إلى الوجوب إذا توقَّف عليها واجب شرعي، في حين تُسَدُّ الذريعةُ إذا غلب على الظن إفضاؤها إلى مفسدة راجحة. كما يتناولُ البحثُ أقسامَ الذرائعِ وأحكامَها، ويُبرز أنَّ فتحَ الذرائعِ وسدَّها يمثلانِ وجهين متكاملين لنظرية الوسائلِ في الفقه الإسلامي، وأنَّ الفرقَ بينهما لا يرجعُ إلى طبيعة الوسيلة في ذاتها، وإنما إلى مآلها والنتيجةِ الغالبةِ المترتبة عليها، ومن ثَمَّ فإنَّ الحكم على الوسائلِ لا ينبغي أن يقوم على صورتها المجردة أو على الاحتمالات النادرة، وإنما على غلبة الظن المبنيةِ على الواقع والقرائنِ المعتبرة، مع مراعاة التوازن بين جلْبِ المصالح ودرء المفاسد. ويبحث كذلك في التأصيل الشرعي لفتح الذرائع من خلال الأدلة من القرآن الكريم والسنة النبوية، وما قرره عدد من الأصوليين والفقهاء -ولا سيما القرافي والشاطبي وابن القيم- في مجال الوسائل والمقاصد والمآلات، كما يوضح البحث أنَّ فتحَ الذرائع ليس إباحةً مطلقةً لكل وسيلة يمكن أن تحقق منفعة، وإنما هو اجتهادٌ منضبطٌ بقواعدِ الشريعة ومقاصدها، وبالنظر في المآلات والنتائج المتوقعة بحيث لا يؤدي استعمالُه إلى تعطيلِ النصوص أو إهدارِ الأحكام الشرعية. ويركز البحث بصورة خاصة على أثر المتغيرات الاجتماعية المعاصرة في تفعيل قاعدة فتح الذرائع، مبينًا أن تغير الواقع لا يعني بالضرورةِ تغيُّرَ الأحكام الشرعية الثابتة، وإنما قد يؤثر في تقدير الوسائل والمصالح والمفاسد، وفي تحقيق المناط وتنزيل الأحكام على الوقائع المستجدة؛ ومن هنا تظهر أهمية القاعدة في التعامل مع الوسائل الحديثة التي لم تكن معروفةً في العصور السابقة، مع ضرورة الاستفادة من المعطيات العلمية والتقنية والقانونية عند دراسة آثارها ومآلاتها. ويقدم البحث جانبًا تطبيقيًّا من خلال دراسة أثر فتح الذرائع في عدد من القضايا المعاصرة، من أبرزها الذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، والتعليم الإلكتروني، ووسائل التواصل الاجتماعي، وذلك من خلال بيان المصالح التي يمكن تحقيقُها بهذه الوسائل، والمفاسد التي قد تترتب عليها، والضوابط التي ينبغي مراعاتها عند استخدامها، ويؤكد البحث أنَّ هذه التطبيقات تحتاجُ إلى اجتهاد أصولي يراعي طبيعةَ الوسيلة، ومقصدَ استخدامها، ومآلاتها، ومدى قدرة الضوابطِ الشرعية على الحدِّ من أوجه إساءة استخدامها. وقد اعتمد البحثُ على المنهج الاستقرائي في تتبُّع أقوالِ الأصوليين والفقهاء المتعلقة بفتح الذرائع، والمنهج التحليلي في دراسة أدلتها وضوابطها وصلتها بالمقاصدِ الشرعية، والمنهج التطبيقي في إبراز أثر هذا الأصل في معالجة عدد من القضايا الاجتماعية والاقتصادية والتقنية المعاصرة. كما سعى إلى تحليل ما قرَّره الأصوليون حول الوسائل والمآلات، وبناء إطار مقاصدي يساعدُ على ترشيد الاجتهاد في النوازل المستجدَّة. وينتهي البحث إلى أنَّ فتحَ الذرائع أصلٌ أصوليٌّ معتبر، وأن تفعيلَه يمثل جانبًا مهمًّا من جوانب مرونة الشريعة الإسلامية وقدرتها على استيعاب المتغيرات، شريطةَ الالتزامِ بضوابطه، وعدم التوسُّع فيه بصورة تؤدي إلى مخالفةِ النصوص أو تعطيلِ الأحكام، كما يبين أنَّ منع بعض الوسائل بصورة مطلقة قد يؤدي أحيانًا إلى تعطيلِ مصالحَ معتبرةٍ في مجالات متعددة، في حين أنَّ الإفراطَ في فتحها قد يفضي إلى مفاسدَ، من بينها التحايلُ على الأحكام الشرعية، وإساءة استخدام التقنيات الحديثة، والفوضى في الاجتهاد؛ ومن ثَمَّ يؤكد البحث أهميةَ تحقيق التوازن بين جلب المصالح ودرء المفاسد، وبين المحافظة على ثوابت الشريعة والاستجابةِ المنضبطة لمتغيرات الواقع، بما يعزز قدرة الفقه الإسلامي على معالجة القضايا المستحدثة في إطار أصوله ومقاصده. وإذا كان البحث السابق قد تناول كيفية تفعيل أدوات الاجتهاد الأصولي في التعامل مع الوسائل المستحدثة بالنظر في مصالحها ومفاسدها ومآلاتها -فإن مجال النوازل المعاصرة لا يقفُ عند الوسائل والتقنيات، بل يمتدُّ إلى قضايا إ
Source: مجلة دار الإفتاء المصرية
Author: أ. د نظير محمد محمد عياد
Language: Arabic
Open Access status: diamond
OpenAlex ID: W7222890978
